
يشهد الله أننا، ومنذ الأيام الأولى لهذه الحرب، كنا على يقين بأن السودان لن ينكسر، وأن إرادة شعبه، وصمود قواته المسلحة، قادرة على عبور هذا الامتحان مهما طال أمده، ومهما تعددت حلقات المؤامرة وتنوعت أدواتها.
لم يكن الطريق سهلاً، ولم تكن المعركة مواجهة عسكرية فحسب؛ بل كانت امتحاناً وطنياً شاملاً، اختلطت فيه ساحات القتال بساحات السياسة والإعلام والدبلوماسية والاقتصاد. ومع كل انتصار تحققه القوات المسلحة، كانت تتكشف طبقة جديدة من المشهد، وتسقط أقنعة ظلت تختبئ خلف شعارات براقة عن الوطن والمواطن والديمقراطية.
لقد اختار التمرد طريقه منذ اللحظة التي رفع فيها السلاح في وجه الدولة، وتحول الصراع من خلاف داخلي إلى حرب مفتوحة استُخدمت فيها أدوات خارجية، واستُقدمت عناصر ومرتزقة من خارج الحدود، بينما دفع المواطن السوداني الثمن من دمه وأمنه وبيته ومستقبله.
ومع اتساع رقعة الانتصارات العسكرية، بدأت الحقيقة تظهر بصورة أكثر وضوحاً. فالمواطن السوداني الذي ظل صامداً في مناطق النزوح واللجوء، لم يتخلَّ عن وطنه، بل ظل ينتظر اللحظة التي يعود فيها إلى أرضه. واليوم، كل مساحة تستعيدها القوات المسلحة لا تعني مجرد مكسب عسكري، وإنما تعني عودة الأمل إلى أهلها، وفتح الطريق أمام عودة الحياة والمؤسسات والمواطنين.
عندما تصبح السيادة هدفاً
الأخطر في هذه الحرب أن بعض المحاولات الدولية لم تعد تكتفي بالدعوة إلى وقف القتال، وإنما اتجهت إلى التعامل مع الدولة ومؤسساتها العسكرية والمليشيا المتمردة وكأنهما طرفان متساويان في الشرعية.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن أن تُطلب من دولة ذات سيادة حماية مواطنيها، ثم تُقيَّد في الوقت نفسه أدواتها العسكرية التي تستخدمها للدفاع عن أراضيها؟
إن أي مقاربة عادلة للأزمة السودانية يجب أن تضع الحقيقة الأساسية في مقدمة المشهد: هناك دولة ذات مؤسسات، وهناك تمرد مسلح عليها. والحديث عن السلام لا يمكن أن يبدأ بتذويب هذه الحقيقة أو مساواة المؤسسة العسكرية الرسمية بمليشيا خرجت على الدولة.
مجلس الأمن… اختبار جديد
جاءت التحركات داخل مجلس الأمن لتؤكد أن المعركة الدبلوماسية حول السودان لا تقل أهمية عن المعركة في الميدان.
وأياً كانت المواقف الدولية من مشروع توسيع العقوبات أو القيود المفروضة على السودان، فإن المسألة التي ينبغي أن تشغل السودانيين هي ألا تتحول العقوبات إلى وسيلة لإضعاف الدولة السودانية في الوقت الذي تستمر فيه الحرب، أو إلى أداة تمنح المليشيا المتمردة فرصة لإعادة ترتيب صفوفها.
ومن هنا تأتي أهمية المواقف التي ترفض مساواة الدولة بالمليشيا، وتدعو إلى احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية.
لقد ظل الموقف الروسي، في هذا السياق، محل اهتمام سوداني واضح، كما أن مواقف مصر والسعودية وباكستان والصين والصومال والكونغو الديمقراطية تعكس تعدد الرؤى داخل مجلس الأمن تجاه كيفية التعامل مع الأزمة السودانية.
وهذا التعدد يجب أن يدفع الدبلوماسية السودانية إلى بناء علاقات أوسع وأكثر توازناً، لا تقوم على الارتهان لمحور واحد، وإنما على المصالح الوطنية السودانية أولاً.
مصر… الجوار الذي لا يمكن تجاوزه
وفي قلب هذه المعادلة تقف مصر، بما يجمعها والسودان من تاريخ وجغرافيا ومصالح وشعوب.
موقف مصر من وحدة السودان واستقراره ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل يرتبط بأمن البلدين ومستقبلهما المشترك. وكلما اتسعت دائرة الوعي بأن استقرار السودان جزء من استقرار الإقليم، ازدادت الحاجة إلى شراكة سودانية مصرية أكثر عمقاً في السياسة والاقتصاد والأمن وإعادة الإعمار.
كما أن المملكة العربية السعودية تمثل شريكاً مهماً للسودان، بحكم ثقلها الإقليمي ودورها في المنطقة، إلى جانب دول أخرى يمكن للسودان أن يبني معها علاقات استراتيجية تقوم على المصالح المتبادلة.
لا نريد حرباً بلا نهاية… نريد سلاماً يحفظ الدولة
انتصار السودان الحقيقي لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المواقع التي تحررت، وإنما بقدرة الدولة على استعادة مؤسساتها، وعودة المواطنين إلى مدنهم وقراهم، وإعادة بناء الاقتصاد، وإصلاح ما دمرته الحرب، وترسيخ السلام على أساس دولة واحدة وجيش واحد وسيادة واحدة.
فالسلام الذي يعيد إنتاج أسباب الحرب ليس سلاماً.
والتسوية التي تضع السلاح فوق الدولة ليست حلاً.
والعدالة التي تساوي بين المعتدي والمدافع عن الدولة ليست عدالة.
السودان يحتاج إلى سلام يحفظ كرامة المواطن، ويصون سيادة الدولة، ويمنع تكرار تجربة المليشيات المسلحة التي تتحول بمرور الوقت إلى دول داخل الدولة.
الدبلوماسية السودانية أمام مسؤولية تاريخية
لقد آن الأوان لأن تنتقل السياسة الخارجية السودانية من رد الفعل إلى صناعة المبادرة.
السودان يمتلك أوراقاً مهمة: موقعاً استراتيجياً، وثروات ضخمة، وساحلاً على البحر الأحمر، وسوقاً واسعة، وشعباً ذا علاقات تاريخية مع محيطه العربي والأفريقي والدولي.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تتطلب بناء شبكة علاقات استراتيجية متوازنة مع روسيا والصين وتركيا ومصر والسعودية وباكستان وإريتريا، إلى جانب الانفتاح على بقية الدول التي تحترم سيادة السودان وتتعامل معه كدولة كاملة الحقوق.
لكن التحالفات الدولية لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمصالح المشتركة والاتفاقيات الواضحة والشراكات الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي تحقق للسودان مكاسب حقيقية.
السودان أكبر من المؤامرة
لقد أثبت الشعب السوداني طوال هذه الحرب أنه أكثر وعياً وصلابة مما ظن كثيرون.
وظن البعض أن الحرب ستكسر إرادته، فإذا به يتمسك بوطنه.
وظن البعض أن النزوح سيقتل ارتباطه بالأرض، فإذا بالملايين ينتظرون لحظة العودة.
وظن البعض أن الضغط السياسي سيجعل السودان يتنازل عن سيادته، فإذا بالمشهد يكشف أن القرار الوطني لا يزال حاضراً.
وها هي الأيام تمضي، وتتكشف الحقائق، وتعيد المعركة ترتيب أوراقها.
لن يكون الطريق إلى النصر سهلاً، ولن تنتهي آثار الحرب بمجرد انتهاء المعارك، لكن السودان الذي صمد في أصعب امتحان يستطيع أن ينتصر في معركة إعادة البناء كما انتصر في معركة البقاء.
وفي نهاية المطاف، فإن السودان لا ينتصر لأن العالم أراد له الانتصار، وإنما ينتصر عندما تتوحد إرادة شعبه، وتتماسك مؤسساته، ويقف جيشه مدافعاً عن أرضه، وتعرف دبلوماسيته كيف تدير مصالحه في عالم لا يعترف إلا بالدول القوية القادرة على حماية قرارها الوطني.
السودان ينتصر بإرادة شعبه… وبصمود جيشه… وبوحدة ترابه… وبإيمانه بأن الغد، مهما كان ثمنه، سيكون سودانياً خالصاً.


